السلطة والمجتمع: علاقة رمادية بين الواقع وأحلام الظهيرة

Submitted by salamander on ثلث, 2006-08-29 09:34

كتب زهير الحارثي المقال التالي الذي نشر بجريدة الشرق الأوسط في صفحة الرأي في يوم 29 أغسطس 2006 :

 

السلطة والمجتمع: علاقة رمادية بين الواقع وأحلام الظهيرة

زهير الحارثي

من يسبق من؟! الدولة أم المجتمع. فيما يتعلق بمسألة النشوء والحضور والتكوين؟ الاجابة هنا قد لا تثير التساؤل والتحفظ وانما قد تحفز على فهم العلاقة ما بين عنصرين متداخلين ومتجاذبين، فإن كان المجتمع هو من يُنشيء الدولة، فإن الأخيرة هي المسؤولة عن تنميته وتطويره بما يتواءم مع المعطيات في ظل الممكن والمعقول.

على ان ذلك ينقلنا ـ بالضرورة ـ الى توصيف هذه العلاقة المثيرة للجدل عبر مراحل التاريخ المتشابكة، وهي قد تبدو في حالة من التحول والسيرورة، وتنتظم في تشكلات وابعاد، لا تلبث ان تتحدد ملامحها من خلال الآلية التي تضبط مفهومية هذه العلاقة.

ورغم ما يكتنف تضاريسها من ارتفاعات واعماق ومساحات تبلور مفهوم التغير والتحول، الا ان ثمة عنصراً ثابتاً يحكم هذه العلاقة ويؤسسها حيث يتمثل في «المنتج» و «المنظم» بمعنى ان العلاقة التركيبية لهما تنطلق من «وعاء مجتمعي» منتج لاشكال التواصل والتبادل، و «هيئة» تقوم على تنظيم وضبط هذه الاشكال من العلاقات البشرية. ووفقاً لهذه الصيغة، فإن ثمة ادواراً يضطلع بها كل منهما، وان كانت غير محددة المعالم بشكل أزلي، الا انها تظل ضمن معادلة مرنة تتأثر بالمحيط والراهن من المتغيرات والظروف، وكأنها تعبر عن ديناميكية «اجتماع سياسي» ، تتفاعل مع بعضها البعض بهدف الوصول الى منظومة تتسق فيها العناصر وتتحد فيها العلاقة بين «الثابت» و «المتحول» . غير ان المقام هنا، ليس تحليلاً معرفياً لهكذا علاقة، بقدر ما أنه طرح ينزع الى اثارة دور كل من «الوعاء» و «الهيئة» أي الدولة والمجتمع، ولعل التشريح الذاتي الذي كنت قد كتبته هنا من قبل حول مأزق الذات العربية ومعاناتها، يحتم عليَّ تناول أبعاد المعضلة، وطرح اسئلة دون ان أزعم الاحاطة بها، سبراً واجابة، بل انني سأكتفي في هذا الحيز بالتقاط بعض محاور واشارات وهي بمثابة بحث عن العلل، ووقوف على الخلل، ومهما يكن من أمر، فإن ثمة تساؤلات تبحث عن ذاتها في ظل تلك المحاور والاشارات، لان المنطق يرى ان كل اجابة ناقصة ما هي إلا مساحة لولادة سؤال جديد، ومتى ما ظلت الاجابات غير مقنعة، فإن التساؤلات تبقى عالقة في الذهن.

وعند الحديث عن تلك العلاقة بين الدولة والمجتمع في عالمنا العربي تحديداً فإنه ليس من جديد في القول، بأن ثمة اسئلة حارقة ما زالت عالقة بالتأكيد في الذهن، وستبقى على وضعيتها هذه طالما كانت اجاباتها منقوصة ومشوشة في آن واحد.

ولعل الواقع الراهن، وهو افراز لما سبق من أيام وارهاص للقادم منها، يكشف حقيقة الاشكالية الدائمة بين «الوعاء» و «الهيئة» أو المنتج والمنظم، التي ادت الى تشكيل صورة تتمثل في مجتمعات عربية ضعيفة ومنقسمة ومتخلفة، وحين المواجهة وطرح السؤال، فإن تلك المجتمعات «الغالب منها» وحكوماتها، تعزو ذلك الى السبب الخارجي أياً كان مصدره «مفهوم المؤامرة» ، وبدلاً من الشفافية ومواجهة الذات بشكل موضوعي وواقعي، تجدها تكرس مفهوم «تضخم الانا» فيدعون انهم منبع الحضارات دون النزول الى أرض الواقع حيث الحقائق الناصعة. بيد ان الكارثة لا تكمن في المكابرة فحسب، بل في صراع يعيشه الانسان العربي بين «تضخم الانا» و «واقع مرير محبط» ، لا يلبث ان يدفعه الى حالة متلونة انفصامية بين نزق وقلق داخلي، واحلام نوستالجية موغلة في الخيالات والمثل.

غير ان لب المشكلة لا يكمن في المواطن العربي ذاته، بقدر ما انه نتيجة لاسبابها، بمعنى آخر انه ضحية لظروفه وللمعطيات المحيطة به، وهي عوامل لا يمكن الاستهانة بها، فهي بمثابة العلل ـ كما قلنا آنفاً ـ التي ربما تقودنا الى اجابات مقنعة، لكي نفهم نزوع شعوبنا الى الاستسلام والسلبية فضلاً عن نمطها المحكوم بالجاهزية والقصور وتغليب العاطفة على العقل أو كما وصفها احدهم بأنها مجتمعات مسايرة وانفعالية وتحمل دائماً القدر والظروف مسؤولية الاخطاء، ناهيك عن ثقافتها السطحية واللفظية، ولعل وصف القصيبي بأن العرب ظاهرة صوتية من أدق التعابير التحليلية ان جاز التعبير لوصف سلوك المواطن العربي اليومي المعاش حيث الصراخ بصوت عال وبقدر من التشنج والعصبية والتلويح بالأيدي، وحين تحاوره تجده لا ينفك في ابداء الانفعال والسخط ورفض ما تقوله حتى قبل ان يستمع الى طرحك، فالاصغاء كلمة نادرة في قاموسنا اليومي.

هذه السلوكيات، للأسف، واقع بات ملموساً ومشاهداً، وتفضح بشكل جلي ان العلاقة ما بين «الدولة» و «المجتمع» يشوبها الكثير من الريبة والاختناق والحاجز الذي يتمخض عنه فقدان الثقة والنفاق والازدراء والسخرية والاستخفاف.

نعم.. السلطة السياسية تمارس نهجاً أحادياً على شعبها، الأمر الذي خلق مناخاً استعمارياً واستعبادياً ان جاز التعبير، كان وما زال ضحيته المجتمع، لذا تجد ان مفردات هذه السلطة أو تلك في عالمنا العربي، تتمثل في السلطوية والاستبداد والديكتاتورية والاوتوقراطية، ويبدو أنه على مر الازمنة، بات هذا المناخ مألوفا لدرجة انه صار من النسيج المجتمعي، رغم ان ضحايا السياسة عادة ما يكونون هم الشعوب وهذه «السياسة» قال عنها الشيخ محمد عبده «أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة، ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس» وكان محقا ايضاً من قال ان كل شيء في الفكر العربي الحديث يبدأ وينتهي بالسلطة السياسية.

يقول الباحث تركي الحمد «كي تحدث المجتمع، لا بد من السلطة، كي تحقق التنوير والنهضة والتنمية والاستقلال والحوار مع الآخر او مقارعته، والديمقراطية والعدالة والمساواة، لا بد من السلطة «السياسية».

بطبيعة الحال، قد تكون السلطة السياسية منتجة وفعالة ووسيلة بناء لا هدم، ولكن في حالتنا العربية فإنها تنتمي الى فضاء الاوتوقراطية.

وهذا يعني، في ما يعني إلغاء لمفاهيم الديمقراطية من مشاركة سياسية وتعددية واحترام حقوق الانسان، وعندما يستند «قرار الفرد» إلى جذور منبتها القبيلة والطائفة والمناطقية والشللية وما إلى ذلك من مصطلحات، فإن النتيجة تقويض لدعائم علاقة طبيعية ما بين «الوعاء» و«الهيئة» وما دام «المنظم» ينزع الى السلطوية، فإنه من الطبيعي ان يرتهن «المنتج» الى كل ضروب الذل والهوان والخنوع فضلاً عن الاستسلام والسلبية.

والحقيقة انه عند افتقاد الشجاعة الادبية في نقد ومواجهة «التابو» و«المسكوت عنه» ، فإنه من الصعوبة بمكان ان نقف امام هيمنة «السلطة والعادات» على ان التوصيف اعلاه لا يفي الموضوع حقه، اذ ان القضية شائكة والعلاقة متداخلة بطبيعتها ومبثوثة في بعضها بهذا المقدار او ذاك، غير ان ما يهمنا هنا استخلاصات أولية لموضوع معقد لم يلبث ان شكل صورة نمطية لمجتمع ما زال مرتهنا لتأثير السلطوية في نسيجه وتوجهاته. صفوة القول ان تلك الاسباب تمثل عائقاً امام بناء المجتمع وتحديثه ومن الطبيعي ان تتم تعرية تلك العوامل حتى نستطيع ان نعرف العلاج، وان كان الاعتراف منا ان التنظير يبدو سهلا مقارنة بالتطبيق، الا ان القضية ما زالت تمثل الهاجس المسيطر على شعوبنا، متسائلة عن الوقت الذي يأتي لتخرج من حالتها الانفصامية، غير ان الكثيرين يرون ان الحل الناجع لا ينبعث من الحيز السياسي وتنظيماته، بل من الفضاء المدني ومجتمعه وجمعياته، وفي هذا الكثير من الصحة، لان المجتمع المدني بآليته وطبيعته سيخلق حالة من التناغم بين «الوعاء» و «الهيئة» او الدولة والمجتمع وستفرز ديناميكية تتفاعل مع بعضها بعضا للوصول إلى تلك المنظومة ذات المعادلة المرنة، ولذلك تبدو هذه الظاهرة «المجتمع المدني» والموجودة منذ زمن بعيد، والتي تنمو الآن بشكل مذهل بسبب العولمة، مطلبا رائجا وحلا ناجعا لتجديد روح المجتمعات كما يرى البعض.

غير انني اعتقد ان المغالاة في هذا التوجه لن تحقق التوازن المطلوب، وستطفو الاشكالية على السطح من جديد ما بين «الوعاء» و«الهيئة» وبالتالي ندور في تلك الحلقة المفرغة.. نعم المجتمع المدني يتكامل مع الدولة، لكنه ليس بالضرورة هو الحل الوحيد لضبط شكل العلاقة معها، وان كان مهماً، فالقضية ليست معادلة رياضية، واضحة المعالم ومحددة نتائجها بدقة، بل هي تنتمي إلى الالوان الرمادية، وبالتالي الحلول قد تكون قاطعة نظرياً، لكنه بمجرد تطبيقها على أرض الواقع ينتفي ذلك القطع والصرامة في صحتها وهذا سائد الى حد بعيد في كثير من القضايا، وملحوظ حتى في عالم البحث العلمي.

على أي حال، يبقى المجتمع المدني ظاهرة بمفاهيمه وطروحاته، وبات مهما لخلق عملية التوازن، ويساهم مع غيره من عوامل اخرى في ضبط علاقة «المنتج» و«المنظم» ، لكن مسألة المغالاة في نجاحه لن تقودنا إلى الغاية التي نقصد.

ا يمكن ان نلخص

ا يمكن ان نلخص كل هذا في كون ان المجتمع لا علاقة له بالسياسة او بما يسير حياته

اتفق معك في ان

اتفق معك في ان السلطة السياسية في عالمنا العربي تعاني من عدم استيعابها للمتغيرات - السلطة السياسية وللأسف لم تتعدى الفكر التقليدي لمفهوم السلطة 

في رأيي مثلاً ان السلطة السياسية في الغرب لم تفتقد سلطتها وانما تتمتع الآن بشكل آخر للسلطة وهناك الكثير الذين يعتقدون ان الدولة في الغرب قد انخرطت في تفاصيل الحياة الصغيرة وبشكل خفي وهذا في رأيي في غاية الأهمية ويجب ان نعي للأشكال المختلفة للسلطة وعلاقتها مع المجتمع والفرد.  

مقال ملفت يشرح كوارثنا

المقال مميز ويرقى للطروحات الفكرية التي تشرح ماساتنا العربية. واتفق مع الكاتب الحارثي ان المجتمع المدني ليس هو الحل رغم اهميته ولكن النقطة الاساسية ان السلطة السياسية في عالمنا العربي ما زالت تعيش في عصر ما قبل العولمة ولم تستوعب الى هذه اللحظة المتغيرات في منطقتنا وكانها في كوكب اخر ولكن كما قال الكاتب المفكر ان العصر لن يرحم

علِّق

  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

Tags for السلطة والمجتمع: علاقة رمادية بين الواقع وأحلام الظهيرة